محمد عزة دروزة
159
التفسير الحديث
« 3 » وإشارة تقريعية إليهم : فاللَّه يعلم ما في قلوبهم من سوء قصد وطوية . وعلى النبي أن لا ينزعج من موقفهم من جهة وأن يعظهم من جهة ثانية . ويؤنبهم بأسلوب قوي بليغ يؤثر فيهم ويجعلهم يدركون بشاعة تصرفهم . « 4 » وتقريرا ربانيا فيه توطيد لواجب الطاعة للنبي والاحتكام إليه بأن اللَّه تعالى لم يرسل رسولا للناس إلَّا أوجب عليهم طاعته وقيض له من يطيعه فعلا وبأن هؤلاء الذين يدعون الإسلام لن يصدقوا في إيمانهم إلَّا إذا تحاكموا لدى النبي في كل ما يقع بينهم من خلاف ، ثم ارتضوا بحكمه رضاء تامّا ظاهرا وباطنا وسلموا به ونفذوه بدون لجاجة وتردد . « 5 » والتفاتا تأنيبيّا إلى المحكي عنهم : فلقد كان من واجبهم لو كانوا صادقين في اعتذارهم وحسن نيتهم أن يشعروا بشناعة موقفهم وظلم أنفسهم به وأن يسرعوا إلى النبي نادمين مستغفرين اللَّه على ما بدا منهم وملتمسين من النبي أن يستغفر لهم اللَّه . ولو فعلوا هذا لوجدوا اللَّه توابا رحيما فيقبل توبتهم ويصفح عن زلتهم ويشملهم بعفوه . ولقد روى المفسرون ( 1 ) في صدد هذه الآيات عدة روايات . منها أنها نزلت في يهودي ومنافق بينهما خصومة فطلب اليهودي الاحتكام إلى النبي وأبى المنافق ذلك وطلب الاحتكام إلى أحد طواغيت اليهود : كعب بن الأشرف وكان شاعرا وعرف بشدة عدائه للنبي والمسلمين وكانوا يسمونه الطاغوت . ومنها أنها نزلت في جماعة من اليهود كانوا يظهرون الإسلام نفاقا واختلفوا مع جماعة من مسلمي
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري والخازن وابن كثير والبغوي .